ابن أبي الحديد
56
شرح نهج البلاغة
فتعالى الذي أقامها على قوائمها ; وبناها على دعائمها لم يشركه في فطرتها فاطر ، ولم يعنه على خلقها قادر . ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ، ما دلتك الدلالة الا على أن فاطر النملة هو فاطر النخلة ; لدقيق تفصيل كل شئ ، وغامض اختلاف كل حي . وما الجليل واللطيف ، والثقيل والخفيف ، والقوى والضعيف في خلقه الا سواء . وكذلك السماء والهواء ، والرياح والماء . فانظر إلى الشمس والقمر ، والنبات والشجر ، والماء والحجر ، واختلاف هذا الليل والنهار ، وتفجر هذه البحار ، وكثرة هذه الجبال ، وطول هذه القلال ، وتفرق هذه اللغات ، والألسن المختلفات . فالويل لمن أنكر المقدر ، وجحد المدبر . زعموا انهم كالنبات ما لهم زارع ، ولا لاختلاف صورهم صانع ; ولم يلجأوا إلى حجة فيما ادعوا ، ولا تحقيق لما دعوا ، وهل يكون بناء من غير بان ، أو جناية من غير جان . * * * الشرح : مدخولة : معيبة وفلق شق وخلق والبشر ظاهر الجلد . قوله عليه السلام ( وصبت على رزقها ) ، قيل هو على العكس ، أي وصب رزقها عليها ، والكلام صحيح ولا حاجة فيه إلى هذا ، والمراد كيف همت حتى انصبت على رزقها انصبابا ; أي انحطت عليه ويروى ( وضنت على رزقها ) بالضاد المعجمة والنون ، أي بخلت وجحرها بيتها .